Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

Profil

  • Tunisie mon pays!
  •  Vive la Tunisie Libre
  • Vive la Tunisie Libre

Recherche

Archives

20 juin 2008 5 20 /06 /juin /2008 23:48

 
 
صلاح الدين الجورشي (*)

البشر صنفان: صنف يولد، وينمو، ويستهلك ما قُدر له من مأكل ومشرب، وقد يتزوج وينجب، ثم يشيخ ويموت ولا يسمع به أحد. أما الصنف الثاني، فالأفراد الذين ينتسبون إليه تتوفر لهم ظروف تجعلهم فاعلين في مجتمعاتهم التي قد تُجمع أو تختلف حول ما قدموه من أعمال، وما اتخذوه من مواقف. وفي كل الحالات، فعندما يفارقون هذه الحياة الدنيا تبقى ذكراهم بعدهم. وهذا هو الفارق بين الرقم والإنسان.

قبل أيام، ودّعت الأوساط الحقوقية والسياسية في تونس المرحوم محمد الشرفي، الجامعي ووزير التعليم السابق والمناضل الحقوقي. وهو بالتأكيد من الصنف الثاني، إذ قادته مواقفه والمسؤوليات التي تحملها إلى أن يترك بصمته في أكثر من قضية أو موقع. وقد بدأ الحديث عنه منذ أواخر الستينيات، حين حوكم مع عدد من مناضلي حركة آفاق اليسارية، وهي حركة حاولت أن تشق عصى الطاعة في وجه الأب المستبد «الحبيب بورقيبة»، وأن تؤشر عن بداية انتهاء الإجماع الوطني حول النظام بخروج الجامعة والحركة الطلابية من بيت الطاعة.

لكن الملامح النهائية لشخصية الشرفي لم تستقر إلا بعد أن مارس نقده الذاتي، وتخلى عن الماركسية اللينينية، وانفتح على الفكر الليبرالي ممثلا بالخصوص في أدبيات عصر الأنوار. وفي هذه المرحلة بالذات عرفته، وتوطدت صلتي به كإنسان وكمثقف. حصل ذلك عندما وجدنا أنفسنا معا في قيادة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، هذه المنظمة التي تعتبر الأقدم عربيا وإفريقيا، وإن كان رفاقنا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان يرفضون التسليم بذلك.

هناك قاعدة أخلاقية وعملية يتجاهلها كثيرون تفرض على أي واحد منا أن لا يحكم على أي شخص آخر انطلاقا من أفكار مسبقة، وإنما بعد معاشرته ومعرفته عن قرب. ورغم أن الشرفي كان قادما من أعماق تجربة يسارية مأزومة، في حين أن انطلاقتي كانت من رحم الحركة الإسلامية التي حملت معها منذ ولادتها شروط الأزمة الشاملة، فقد تأسست سريعا بيننا علاقة جمعت بين المكاشفة والمصارحة وبين الاحترام. وحتى أكون منصفا للرجل، فقد شكل وجوده داخل الهيئة المديرة للرابطة إضافة نوعية، إذ تحول إلى ما يشبه الشخص المرجعي للرابطة على الصعيدين القانوني وفلسفة الحقوق، بحكم اختصاصه وثقافته الواسعة ومكانته العلمية.

احتل موضوع الإسلاميين موقعا متقدما في أجندة قيادة الرابطة في تلك المرحلة بالخصوص، وذلك لسببين على الأقل: الأول، ما تعرض له قادة وأنصار حركة الاتجاه الإسلامي منذ ضائقة عام 1981 من سلسلة محاكمات السياسية استمرت إلى نهاية 1987. وثانيا، وجود رغبة، وإن جاءت متأخرة، لدى كوادر هذه الحركة في الالتحاق بصفوف الرابطة. وهنا أشهد أن الرجل لم يتردد في الدفاع عن المعتقلين الإسلاميين باعتبارهم مساجين رأي، بعد الإطلاع على فحوى التهم التي وجهت إليهم. كما كانت مواقفه واضحة في اعتبار أن ارتداء الحجاب -على سبيل المثال- يدخل في نطاق الحرية الشخصية. لكنه في المقابل، كان -رحمه الله- متخوفا من أن تتعرض الرباطة إلى «غزو» من قبل أنصار حركة النهضة، مما قد يؤثر على استقلاليتها ووظيفتها. كما أنه كان على خلاف مفتوح ومعلن مع التوجه الفكري والسياسي للحركات الإسلامية، وبالأخص حركة الاتجاه الإسلامي.

أدى التحاق عدد من الإسلاميين بهياكل المنظمة إلى اندلاع نقاش، بل وصراع فكري وسياسي حاد داخل الرابطة، كاد أن يفجرها من الداخل. لكنه كان في جانب منه نقاشا ثريا، ساهمت فيه بتواضع مع غيري من المناضلات والمناضلين، من أجل تأصيل الرابطة في بيئتها التونسية، مع حماية خصائصها وأدوارها. وهو ما أسفر في النهاية عن وضع ميثاق للرابطة، يوقع عليه كل راغب في الانتساب حفاظا على أصالة المنظمة. وهو الميثاق الذي ساعد الشرفي كثيرا في صياغته، وفي الارتقاء به ليكون نصا مرجعيا توافقيا. وهنا لا بد من الاعتراف أيضا للرجل بأنه تفاعل بشكل واضح مع نزعة التوصل إلى صيغة تجمع بين المرجعية العالمية، والدستور التونسي، والأبعاد التقدمية في الثقافة العربية الإسلامية. وهي صيغة تحمست لها كثيرا مع الأخ خميس الشماري الوجه الحقوقي المعروف، واعترض عليها من كانوا يرفضون الإشارة إلى أية مرجعية أخرى خارج الإعلان العالمي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، اعتقادا منهم أن الإشارة إلى الخصوصية الثقافية من شأنها أن تنسف عالمية حقوق الإنسان.

ثم توطدت الصلة بيني وبين الشرفي، إذ كان من المثقفين العلمانيين القلائل الذين تفاعلوا مع صدور مجلة «15/21» التي كان مديرها الصديق الدكتور احميده النيفر، وتوليت رئاسة تحريرها مع ثلة من مؤسسي مجموعة «الإسلاميين التقدميين». وقد دارت بيننا نقاشات كثيرة، كشفت لي أن المرحوم قطع خطوة هامة لا يزال العديد من المثقفين المتشبثين بيساريتهم أو بليبراليتهم يرفضون اتخاذها، أو يخشون من تداعيات القيام بها. فقراءاته وتأملاته، وربما أصوله الأسرية -كونه ينحدر من أسرة دينية معروفة في صفاقس- جعلته يقتنع أن المجتمعات العربية الإسلامية لا يمكن التأثير فيها من خارج أنساقها الثقافية، وأن القطع مع الإسلام خطأ استراتيجي يرتكبه دعاة التحديث والتغيير. وهو ما دعاه إلى أن يبذل جهودا معرفية لفهم مكونات المنظومة القانونية الإسلامية، ويحاول تطويرها من داخلها في كتابه الشهير «الإسلام والحرية». وهنا قد يختلف معه البعض في كيفية قراءته لبعض النصوص أو الأحكام، لكن ليس من حق أي كان أن يرفع سلاح التكفير في وجهه أو في وجه غيره. فالإضافة إلى أن هذا الأسلوب خطير وغير حضاري، فإنه لا يأخذ بعين الاعتبار الخطوة النوعية التي أقدم عليه الشرفي عندما اعتبر الإسلام مرجعية لها قدسيتها، واعتبر أن من حقه كمسلم أن يدلي برأيه في فهم بعض المسائل التي تهم هذا الدين، وهي خطوة في تقديري كانت هامة ونوعية في مسيرة الرجل.


أخيرا، أريد أن أشهد أيضا بأن الشرفي كان يقبل الاختلاف وحتى النقد. فعندما تم اختياره رئيسا للرابطة خلفا للدكتور الزمرلي، عبرت له أمام بقية أعضاء الهيئة المديرة عن ثقتي في شخصه وفي حكمته، لكني تمنيت عليه أن يتجاوز خلافاته مع الإسلاميين للمحافظة على التوازن والإبقاء على الدور الدفاعي للرابطة. وتحمل الرجل ملاحظتي، وأكد أن التمييز بين ضحايا القمع ليس من أخلاقه، وأنه يتناقض مع قناعاته بأن حقوق الإنسان كلّ لا يتجزأ. كما كان حريصا على معرفة رأيي عندما عرضت عليه الوزارة، وهو ما زاد من تقديري لشخصه. وقد شجعته على تحمل المسؤولية، وذكرت له أن عديد المصلحين -مثل الشيخ محمد عبده- غامر واقتحم مجال إصلاح التعليم. وقد شكل ذلك العرض منعرجا هاما في مسيرته، إذ لامه البعض بحجة أن النظام كان يريد توظيف كوادر حركة الإنسان لأهداف سياسية. وعندما اندلع الخلاف بينه وبين قيادة حركة النهضة بعد توليه وزارة التربية والتعليم العالي، والضجة الكبرى التي حدثت بعد ندوته الصحافية، صدر بيان شهير عن حركة النهضة تضمن إشارة بتكفيره. يومها كتبت افتتاحية بمجلة «حقائق» التي ترأست تحريرها، فأدنت نزعة التكفير، ووقفت إلى جانب توجهات الشرفي الإصلاحية الخاصة بمراجعة المقررات الدراسية، بما في ذلك المتعلقة بمادة الفكر الإسلامي، لكني في المقابل وجهت له نقدا في جوانب أخرى تعلق بعضها بحملة منع المحجبات من مزاولة التعليم. صحيح أنه انزعج من ذلك، لكنه لم يقطع معي، وبقي يدعوني من حين لآخر إلى مكتبه بالوزارة للاستماع إلى ملاحظاتي، وحتى مؤاخذاتي خلال تلك المرحلة التي كانت صعبة بالنسبة له، وأيضا بالنسبة للبلاد.

كنت أزوره في بيته خلال الأشهر الأخيرة من حياته. لقد بدا عليه الإنهاك، بعد أن تمكن منه المرض الخبيث، فأفقده تلك الحيوية التي عرف بها. لكنه بدا صابرا ومبتسما، ومستعدا لمواجهة مصيره بشجاعة ووثوق. أكد لي أنه ليس نادما على ما فعله في حياته، بما في ذلك مشاركته في السلطة، لكنه في الآن نفسه فارقنا وفي أعماقه قلق من مستقبل لن يعشه، وكأنه أحس بأن الحلم الذي آمن به لم يتحقق. رحم الله محمد الشرفي الذي اجتهد وترك للتاريخ أن يحكم.

(*) كاتب تونسي

(المصدر: صحيفة 'العرب' (يومية – قطر) الصادرة يوم 17 جوان 2008)

Partager cet article

Repost 0
Published by Tunisie mon pays! - dans politique Tunisie
commenter cet article

commentaires