خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة عيدي الاستقلال والشباب
قرطاج، في 21 مارس 2008
بسم الله الرحمان الرحيم
أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،
بكل فخر واعتزاز يحيي شعبنا الذكرى الثانية والخمسين للاستقلال وعيد الشباب. عيدان تلتحم فيهما معاني التضحية والحرية والكرامة والسيادة بمعاني الأمل والتفاؤل بالمستقبل.
وهي مناسبة نقف فيها بكل إجلال وإكبار ترحما على شهدائنا الأبرار الذين بذلوا دماءهم الزكية حبا للوطن وذودا عن حماه، كما نستحضر بكل تقدير نضال زعماء الكفاح الوطني وقادته ومقاوميه وتضحياتهم، وفي طليعتهم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
إن أمانة الاستقلال أمانة مقدسة في أعناق التونسيين والتونسيات كافة. وقد واصل شعبنا نضاله منذ تحقيق الاستقلال، بكل عزم وإصرار، لتركيز الدولة الحديثة وبناء مقومات السيادة.
وإذ لبينا نداء الواجب يوم السابع من نوفمبر1987، وأنقذنا البلاد مما تردت فيه من وهن وتفكك، وفاء لتلك الأمانة، وأعدنا السيادة إلى الشعب، وحققنا المصالحة الوطنية، وأسسنا مشروعا حضاريا طموحا، فإننا نواصل اليوم بكل تفان وإخلاص البذل والتضحيات في سبيل الوطن حتى يبقى ذلك المكسب العظيم، مكسب الاستقلال، منيعا شامخا، وحتى يزداد رسوخا مع كل إنجاز جديد.
إن هدف مسيرتنا هو بناء الغد الأفضل لكل التونسيين والتونسيات في ظل مجتمع متماسك متضامن، راسخ في هويته ومقومات شخصيته الوطنية، متمكن من أسباب الحداثة ومن أرقى ما بلغته الحضارة الإنسانية من تقدم في كل المجالات.
وقد جعلنا من الديمقراطية وتكريس حقوق الإنسان في ظل دولة القانون والمؤسسات أسسا جوهرية لمشروع التغيير، ومبادئ محورية للحكم الرشيد بما يزيد دعم استقلال البلاد ويعزز مكاسبها ويدفع بتنميتها.
فالديمقراطية تفقد معناها في غياب تنمية مستديمة ومتضامنة، كما أن التنمية تفقد جدواها وعدالتها في غياب مناخ ديمقراطي سليم.
وقد راهنا على تلازم الديمقراطية والتنمية وكسبنا الرهان بفضل وعي شعبنا والتفافه حول خياراتنا التي ظلت دوما في مستوى طموحاته وتطلعاته.
وإننا ماضون بكل حزم وعزيمة على درب توطيد أركان الديمقراطية في بلادنا وتعزيز مقومات الاستقرار والطمأنينة، لا تثنينا الصعاب والتحديات.
إننا على العهد من أجل تونس وسيادتها ورقيها وعزمنا على الإصلاح والتحديث متواصل متجدد.
وإذ كنا أعلنا بمناسبة الذكرى العشرين للتحول جملة من الإصلاحات في هذا الاتجاه كان من بينها التخفيض في العمر اللازم لاكتساب حق الانتخاب إلى ثماني عشرة سنة، فإننا نأذن اليوم بتقديم مشروع قانون دستوري لتنقيح نص الدستور في هذا الخصوص. وهو ما يوسع المشاركة السياسية إلى ما يزيد عن نصف مليون شاب إضافي سوف يتاح لهم حق الانتخاب سنة 2009.
وحرصا منا على توسيع إمكانية تعدد الترشحات لرئاسة الجمهورية، وفي صورة عدم توفر شرط تقديم المترشح من قبل عدد أدنى من النواب ورؤساء المجالس البلدية المنصوص عليه في الفصل 40 من الدستور، فإننا سندرج في مشروع التنقيح وبصورة استثنائية بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية القادمة لسنة 2009 إمكانية أن يترشح كذلك لرئاسة الجمهورية المسؤول الأول عن كل حزب سياسي سواء كان رئيسا أو أمينا عاما أو أمينا أول لحزبه شريطة أن يكون منتخبا لتلك المسؤولية وأن يكون يوم تقديم مطلب ترشحه مباشرا لها منذ مدة لا تقل عن سنتين متتاليتين منذ انتخابه لها.
وتأكيدا لما ورد في خطابنا يوم 10 ديسمبر الماضي بأن هذه السنة ستشهد دفعا جديدا لمنظومة حقوق الإنسان في بلادنا، فقد اتخذنا عديد المبادرات والإجراءات، سواء لمزيد تطوير الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، أو لاستكمال التزامات بلادنا بالاتفاقيات الدولية في هذا المجال. ومن ذلك: سحب جل الاحترازات التي كانت لنا بشأن بعض فصول اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل وكذلك اعتماد بلادنا البروتوكول الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
وهكذا يتدعم دور تونس في تعاونها مع هياكل الأمم المتحدة وأجهزتها ذات الصلة، وتحظى بشرف الحصول على عضوية أول دورة لمجلس حقوق الإنسان.
وسنواصل جهودنا لمزيد النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها نصا وممارسة، وفقا للمقاربة التي أرسينا دعائمها والقائمة على شمولية تلك الحقوق وترابطها وتكاملها.
وإن احترامنا لحياة الإنسان هو الذي حدا بنا في أكثر من مناسبة إلى تأكيد موقفنا من مسألة تنفيذ عقوبة الإعدام، وامتناعنا عن الإذن بذلك بما لدينا من صلاحيات دستورية. كما قمنا في بعض الحالات وفي إطار نفس الصلاحيات، بإبدال عقوبة الإعدام بعقاب آخر نص عليه القانون، وذلك كلما سمحت الظروف الموضوعية التي تأخذ في الاعتبار حقوق الضحايا ومشاعرهم وتأثيرات العامل الزمني والحالة الجزائية والاجتماعية للمحكوم عليهم.
أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،
إن التعددية الحزبية من مقومات منظومتنا السياسية ونحن حريصون على دعمها في كل مرحلة وهي شرط للتنافسية الحقيقية. لذلك سبق أن أكدت أن الحزب القوي في حاجة إلى معارضة قوية لأن في التعددية إثراء للحياة السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو مختلف الأحزاب السياسية إلى التعويل في المقام الأول على قدراتها وعملها القاعدي وعلى التصاقها بمشاغل المواطنين، ويبقى دور الدولة أساسيا في ضمان مناخ المنافسة الديمقراطية بين الأحزاب التي عليها كسب ثقة المواطنين من خلال تقديم البرامج وطرح البدائل المقنعة للرأي العام والتفاعل الإيجابي مع اهتمامات المواطن. فالأحزاب السياسية في نظرنا هي قبل كل شيء مدرسة للوطنية والمواطنة والتربية على الحوار والمشاركة.
وإن التجمع الدستوري الديمقراطي بتاريخه المجيد وبجليل الأعمال والتضحيات التي قدمها رواده وزعماؤه من أجل الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، يتحمل الدور الأساسي في كسب الرهانات الوطنية، بعزيمة واقتدار، وصيانة مكاسبنا والاجتهاد في إثرائها بالفعل والإنجاز، وهو مدعو إلى المثابرة على هذا المنهج، وتوسيع دائرة تحركه وإشعاعه وتفاعله مع مشاغل المواطنين وتطلعاتهم و مالهم، ومزيد الانفتاح على كل الطاقات والعزائم الصادقة لتتحمل قسطها من المسؤولية، في بناء تونس التغيير وتعزيز تقدمها ونمائها بإخلاص وروح وطنية عالية. وهو مدعو أيضا، إلى استشراف التحولات والتفاعل معها وتعميق النظر في ما يحدث في العالم من مستجدات، ليعد العدة للمستقبل بكل عزيمة ومسؤولية حتى يبقى على الدوام في موقع المبادرة والفعل والريادة.
وقد شرع التجمع الدستوري الديمقراطي بكل حماس واعتزاز، في الإعداد لمؤتمره الخامس منذ التغيير وفق ما رسمناه له من توجهات وما وفرناه من شروط ليكون هذا الموعد السياسي الوطني فرصة متجددة لحزبنا العتيد لمواصلة مسيرته الريادية على درب الإنجاز والإصلاح.
وسيعمل المؤتمر على تعميق النظر في أقوم الطرق وأنجعها لإثراء طاقات التجمع في كل المجالات ومزيد تطوير خطابه، وتنظيم أساليب عمله، وتحسين أدائه، ودعم قدراته على التواصل والاستقطاب والتعبئة والتحرك الميداني، بما يعزز مكانته على الساحة الوطنية باعتباره الحزب المعبر عن إرادة الأغلبية والفضاء المفتوح أمام كل من يتفانى في خدمة تونس وشعبها. وقد ائتمناه على مسيرة التغيير والإصلاح وكان في مستوى الثقة والرهان.
وإذ أعرب عن ارتياحي لحركية اللجان الجهوية والمحلية لإعداد المؤتمر داخل الوطن وخارجه، وما ميز أشغالها من حضور متنوع وحوار جاد مسؤول، ونقاش مستفيض، ومشاركة واسعة للمناضلين والإطارات والشباب والمرأة، فإني آذن اليوم بانطلاق أشغال اللجان الوطنية لإعداد المؤتمر، وفق المنهجية التي رسمناها لها، وباعتماد أدبيات التجمع السياسية ووثائقه ومراجعه الفكرية، وما تضمنته تقارير اللجان المحلية والجهوية من مقترحات وتوصيات.
وإننا حريصون على تأمين الترابط والتكامل بين مختلف مستويات العمل التجمعي ومراحله لصياغة مشاريع لوائح المؤتمر التي ستعرض على اللجنة المركزية في دورتها القادمة، والتي نريدها نابعة من مشاغل شعبنا واهتماماته وطموحاته ومما يحدث في مجتمعنا وفي العالم من تغيرات.
وإذ نؤكد اعتزازنا بالحركية الفكرية والسياسية التي سجلها التجمع في المرحلة الأولى لإعداد المؤتمر في الداخل والخارج، فإني أوصي بأن تكون أعمال اللجان الوطنية فرصة حقيقية لتمكين الطاقات التي يزخر بها التجمع وإطاراته النسائية والشبابية وكفاءاته الفكرية والثقافية وخبراته في مختلف الميادين، لإعطاء الروح النضالية المتجددة واللازمة للمرحلة القادمة، وبعث النفس القوي والضروري لرفع التحديات القادمة وكسب رهانات المستقبل.
فبهذه الروح يكون مؤتمرنا الخامس مؤتمر الإضافة والخطط والبرامج الطموحة التي تثري رصيد إنجازاتنا وتجسم بحق كل أهدافنا وتعمق وعينا وتزيد في يقظتنا وتحفزنا إلى مزيد البذل والعطاء.
وإذ تقبل بلادنا على مرحلة جديدة من مسار تقدمها الشامل، وعلى تحول حاسم في علاقاتها مع محيطها ومع الاتحاد الأوروبي خاصة، بعد إرساء منطقة التبادل الحر معه، وإذ نواجه اليوم تحديات هامة، ولا سيما على المستوى العالمي، فإننا ندرك أن كسب الرهانات ورفع التحديات يرتبطان بقدرة حزبنا على التغلب على الصعاب، وما يتحلى به مناضلوه من روح البذل والمغالبة، لذلك قررنا وضع المؤتمر القادم تحت شعار «التحدي»، تحدي الصعاب لنيل المنى، تحدي الصعاب من أجل التألق، تحدي الصعاب من أجل الارتقاء إلى كوكبة البلدان المتقدمة.
كما قررنا الدعوة إلى عقد مؤتمر «التحدي» من يوم 30 جويلية إلى يوم 2 أوت القادمين.
وإننا ندعو لجان التفكير الوطنية إلى العمل على تجديد الخطاب السياسي وتطوير المفاهيم حتى تواكب مقتضيات المرحلة وتتفاعل مع المستقبل. وندعوها إلى بلورة فكر سياسي متجدد النفس، فكر يستهدف الشباب والنخب ويتفاعل مع التحول العميق الذي يعيشه المجتمع. كما ندعوها إلى الانكباب على تطوير عمل منظمات الشباب صلب التجمع حتى تضطلع بدورها على أحسن وجه.
وإذ ينعقد المؤتمر الخامس للتجمع في فترة تشهد فيها المرأة التونسية بفضل ما بادرنا به من إصلاحات وقرارات، تعزيزا متميزا لمكانتها في الأسرة والمجتمع، وفي مقدمتها المرأة التجمعية التي ستمثل بنسبة لا تقل عن 30% في كل قائماتنا الانتخابية لمجلس النواب وللمجالس البلدية. فإني أدعوكم إلى مزيد توسيع مشاركة الكفاءات النسائية في أعمال اللجان الوطنية لإعداد المؤتمر والحرص على تمثيلها بما يتلاءم مع منزلتها في حزبنا وفي مجتمعنا وذلك في مستوى قائمات نواب المؤتمر وفي قائمات اللجنة المركزية وبنفس النسبة على الأقل.
إن عملنا المتواصل لتطوير مكاسب المرأة عبر الإصلاحات المتوالية والمبادرات المختلفة إنما ينطلق من إيمان شخصي بأن حماية حقوقها وتفعيلها ودعم أوضاعها من المقومات الأساسية للإصلاح.
وإن حضور المرأة التونسية اليوم في مختلف الأنشطة والمسؤوليات ومواقع القرار يجسم ما بلغته من كفاءة واقتدار في كل المجالات ويثبت للجميع أنها بحق طرف فاعل لإرساء مجتمع الحرية والتضامن والتقدم ومواجهة نزعات الرجعية والتطرف.
أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،
إننا لن ندخر جهدا في استكمال البناء التنموي الذي توفقنا إليه وأثبت الواقع صواب اختياراته وأهمية إنجازاته، فالنتائج التي تحققت لتونس اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا كانت في مستوى الطموحات الكبيرة التي رسمناها على مدار سنوات التغيير. وهو ما سجلته بكل تقدير تقارير الهيئات والمؤسسات الدولية والمنتديات الاقتصادية التي وضعت تونس في مراتب متقدمة ضمن اقتصاديات البلدان الصاعدة، رغم الظروف العالمية الصعبة بسبب الارتفاع غير المسبوق لأسعار المحروقات وأغلب المواد الأساسية وفي مقدمتها الحبوب.
إنها ظروف جديدة بالغة الشدة، وتحتم علينا اليوم وعيا عميقا بتبعاتها وتأثيرها المباشر وغير المباشر في الاستهلاك وفي كلفة الإنتاج وتنافسية الاقتصاد الوطني، لذلك بات من الضروري والمتأكد أن يكون الجميع مهما كانت مواقعهم منتبهين إلى كل هذه الظروف، حريصين على ترشيد استهلاك الطاقة والاقتصاد فيها، مساهمين بنجاعة في إنجاح الحلول والسياسات والبرامج التي نضعها لمواجهة مختلف المتغيرات. ونحن نعول في ذلك على الإعلام بشتى وسائله وقنواته المكتوبة والمسموعة والمرئية، وعلى الأطراف الاجتماعية ودورها الأساسي في نشر هذا الوعي لدى كل مواطن وإرساء هذا السلوك الجديد وتغيير العقليات في هذا الشأن.
أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،
لقد حرصنا منذ التغيير على أن يقترن احتفالنا بعيد الاستقلال، بعيد الشباب، وفي ذلك إكبار لتضحيات أجيال متعاقبة من أبناء هذا الوطن للظفر بالحرية والكرامة، وتكريس تواصل التفاني في حب تونس والإخلاص لها والذود عن حماها.
إن للشباب مكانة متميزة في مشروعنا الحضاري. وقد بوأناه منزلة مركزية في اختياراتنا للحاضر والمستقبل، ووجهنا كل المخططات التنموية لفائدته. وهيأنا له سبل الانخراط الفاعل في مسيرة البناء والتشييد. وعملنا على دعم مشاركته في الحياة العامة وفتحنا له أبوابا متجددة من الثقة والأمل مؤكدين بذلك حرصنا على تشريكه في وضع البرامج الموجهة إليه بدرجة أولى من خلال فضاءات الحوار والاستشارات وكذلك عبر المجالس الاستشارية والهياكل الجمعياتية.
كما جعلنا من الحوار مع الشباب أحد مقومات السياسة الشبابية باعتباره منهجا يوفر له فرصا للتعبير عن مشاغله بكل حرية ومسؤولية، وحرصنا على تفعيل آلياته ومزيد تطويرها من خلال إقرار دورية الاستشارات الشبابية وتوسيعها لتجمع بين الاستطلاع العلمي الواسع، وسبر الآراء والتحاور مع جميع فئات الشباب في مختلف مجالات حياته الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، وتجسيما لقرارنا بمناسبة الذكرى العشرين للتحول، نأذن اليوم بانطلاق الحوار الشامل مع الشباب وقد اخترنا له شعار "تونس أولا". كما نأذن بالشروع في تنظيم منتديات محلية وجهوية تشارك فيها كل فئات الشباب التونسي وقطاعاته في الداخل والخارج وتختتم بمنتدى وطني خلال شهر سبتمبر القادم.
وإننا ندعو كذلك مختلف وسائل الإعلام والاتصال إلى التفاعل مع هذا الحوار ومزيد توسيع المساحات المخصصة للشباب سواء في الوسائل المكتوبة أو المسموعة أو المرئية أو على شبكة الأنترنات، وإلى وضع برامج حوارية حول المواضيع المدرجة ضمن الحوار الشامل مع الشباب ومواكبة مشاغله، وإلى تمكين الشباب من التواصل والتعبير عن رائه، وتقديم تصوراته ومقترحاته بكل حرية وأريحية، حتى نقف على تطلعاته وآرائه وأفكاره حول حاضر بلادنا ومستقبلها.
إننا نريده حوارا بدون مواضيع محرمة أو رقابة على الرأي والتعبير، في إطار احترام الثوابت الوطنية والقيم الأخلاقية المتعارفة في مجتمعنا.
ولما كان الهدف من تنظيم هذا الحوار هو صياغة ميثاق وطني للشباب حول الثوابت والخيارات الكبرى التي نعمل جميعا على تكريسها، فإننا نؤكد مجددا ضرورة إبراز منزلة هويتنا وقيمنا الحضارية والوطنية، وإيلاء مبادئ التفتح والاعتدال والتسامح والحداثة المكانة الجديرة بها في تلك الثوابت.
إن مستقبل تونس أمانة بين أيديكم أيها الشباب، فلتحافظوا على الأمانة وليكن سبيلكم لمن بعدكم كسبيل من كان قبلكم في الإخلاص لهذا الوطن والتفاني في خدمته.
وستكون نتائج الحوار الشامل مع الشباب مرجعا لإعداد إستراتيجية وطنية للشباب بالنسبة إلى المرحلة القادمة تلتزم بها الأطراف المعنية وتشكل إطارا شاملا ومتكاملا للقطاع، وآلية للتنسيق والتعاون والشراكة في تسيير شؤونه ودعم أدوار مختلف الأطراف فيه وفي مقدمتها مكونات المجتمع المدني.
أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،
إننا جعلنا من التشغيل هدفا وأولوية مشتركة لكل السياسات القطاعية، تماشيا مع ما رسمناه من توجهات في برنامجنا لتونس الغد.
وقد توفقت تونس إلى إحداث أكثر من مليون و200 ألف موطن شغل منذ التغيير، بنسق تصاعدي مطرد بلغ معدله 7،2% سنويا خلال العشرية المنقضية.
ولئن مكن هذا النسق من تراجع نسبة البطالة بنقطتين، فإن تطور عدد طالبي الشغل الجدد وحاملي الشهادات العليا منهم خاصة يدعونا إلى مزيد تكثيف الجهود واستنباط الحلول لتوسيع فاق التشغيل وإحداث مواطن الرزق والعمل الحر وبعث المؤسسات.
إن التشغيل مسؤولية مشتركة بين كل أطراف العمل الاقتصادي والاجتماعي ومنظومة التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، بالإضافة إلى دور المجتمع المدني في التشغيل وفي المساعدة عليه وفي تحسين نسبة التشغيلية، وكذلك دور الأسرة في غرس عقلية المبادرة والتعويل على الذات وروح المنافسة والمغالبة ونبذ السلوكيات الاتكالية.
وقد كنا أذنا بمناسبة احتفال بلادنا بعشرينية التحول، بتنظيم استشارة وطنية حول التشغيل خلال هذه السنة. ونحن نأمل أن تكون هذه الاستشارة فرصة لكل الأطراف، لإجراء حوار معمق حول أهم المسائل المرتبطة بالتشغيل واقتراح حلول عملية لتوظيف الطاقات المتوفرة لدى شبابنا على النحو الأمثل في الدورة الاقتصادية.
ولتيسير المشاركة المباشرة لكل القوى الحية في مختلف جهات البلاد في هذه الاستشارة، نأذن بانطلاق فعالياتها على المستويين المحلي والجهوي، ليتم الاستئناس بنتائج تلك المرحلة الأولية في الاستشارات الإقليمية التي ستنظم فيما بعد تمهيدا للندوة الوطنية حول التشغيل.
كما أذنا في خطابنا في الذكرى العشرين للتحول بالقيام باستشارة وطنية لتحديث الوظيفة العمومية ودعم قدرتها على مواكبة التحولات إدراكا منا لأهمية دور الإدارة في دفع مسار التنمية وضرورة الارتقاء بأدائها إلى الأفضل.
وسنحرص على أن تكون هذه الاستشارة في مستوى طموحاتنا في مجال تحديث الوظيفة العمومية.
وإذ نأذن اليوم بانطلاق أشغالها، فإننا ندعو إلى توسيع مجالها حتى تشارك فيها مختلف الأطراف المعنية مع الاستئناس بتجارب البلدان الأكثر تقدما في هذا المجال.
وأدعو إلى مزيد العناية بالجوانب التي تخص قيم العمل في الوظيفة العمومية ومبادئها، ومفهوم الحقوق والواجبات فيها، وضرورة تحديث تقنيات التصرف في الموارد البشرية ودفع الإدارة الالكترونية بشكل عملي متميز وناجع فعال.
أيها المواطنون،
أيتها المواطنات،
إن رفع تحديات المستقبل يتطلب من الجميع حزم أمورهم. فلا مجال للتراخي والانتظار، ولا مجال للتواكل والاستكانة.
إنها مرحلة جديدة نؤكد خلالها عزمنا على تحدي الصعاب، وعلى بذل المزيد من الجهد والعطاء، للعمل أكثر وبصفة أفضل، حبا لوطننا وولاء له دون سواه.
إن التفاني في خدمة تونس والذود عن حماها وصيانة مكاسبها، واجب مقدس نضطلع به بكل إصرار، وفاء لمن بذلوا دماءهم الزكية ونفوسهم الطاهرة في سبيل عزة الوطن، وجاهدوا حق الجهاد من أجل أن ننعم اليوم بالكرامة والحرية والاستقلال.
لذلك يجدر بكل التونسيين والتونسيات أن يتمعنوا جميعا في نضالات الشهداء والمجاهدين والمقاومين والزعماء، فيستلهموا منها العبرة والموعظة ويتخذوا منها القدوة والمثل، لتكون مدعاة لهم للشعور بالفخر والاعتزاز والمثابرة على درب الإصلاح والتغيير، حتى تبقى تونس حرة منيعة مزدهرة على الدوام.
قال تعالى: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» صدق الله العظيم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(المصدر: موقع "أخبار تونس" (رسمي) بتاريخ 21 مارس 2008)