أمّاه اعذريني
أماه أودعك اليوم وفي القلب حسرة وفي العين دمعة تأبى أن تسقط. أودعك اليوم وفي داخلي صوت يقول إنّني خسرت وإلى الأبد كنزا لا يعوّض. أودعك وفي الداخل صوت يقول :"إبك بكاء النساء على عز لم تحافظ عليه كما يفعل الرجال".
أماه أودعك اليوم كما ودعت منذ ما يزيد عن عقد ونصف رفيق دربك وأنا على وجل أن أكون ممن عناهم أمين السماء في حديثه لأمين الأرض :"يا محمد رغم أنف رجل أدرك والديه أحدهما أو كلاهما ولم يدخلاه الجنة، فقل آمين".
أماه اعذريني، إن فشلت في تحقيق آمالك المشروعة : بيت واسع وعيش مستور في ظل قانون عادل لا فضل فيه لأحد على أحد إلاّ بالتقوى والعمل الصالح.
أمّاه، لقد انتظرت ما يقارب العقدين لقطف الثمرة. ابنك يقطع المراحل التعليمية بنجاح الواحدة تلو الأخرى، سيصبح يوما ما أستاذ أو مهندسا ولم لا طبيبا. وعندها ستمطر السماء ذهبا وفضة، سيفتح باب العرش، سنتخلص من حياة الشظف في البادية، ستتوفر السيارة والبيت الفاره والعيشة الهانية. إنّه حق مشروع، لقد كابدت ووصلت الليل بالنهار ليكمل رجل الغد المشرق دراسته في ظروف طيّبة. لم يكن البيت من طهي وغسل وغزل ونسج ميدانك الذي لا تبارين فيه بل الحقل والبيدر أيضا. لقد كنت "تقاتلين" على أكثر من جبهة دون كلل ولا ملل، تصلين الليل بالنهار، تعمّرين الأرض وتحرسين الديار، لا تطلبين جزاء ولا شكورا.
وإنصافا للحقيقة لم تكوني تحصلين على معشار ما تستحقين. وليت الأمر وقف عند هذا الحد. لقد خوّلت ثمار جهدك وجهد بناتك لرفيق دربك أن يفكر في إدخال ضرة عليك، وفعلا أقدم على ذلك. لست أدري هل استشرت في الأمر أم لا. قد يكون الوالد رحمه الله له مبرراته المعقولة، فالضرة أصغر منك سنّا وابنها اليتيم سيكون من نصيبه الاهتمام بقطيع الغنم ولاحقا حين يكبر بحراثة الأرض وابنتها ستكون عروسة دون مهر يذكر لابنك حين يكمل دراسته. وستساعد على كل حال إلى جانب أمّها في شؤون البيت والعمل الفلاحي. فالصفقة في ظاهرها أكثر من رابحة. وإنصافا للحقيقة مرة أخرى لقد كنت مقاتلة بارعة، فقد استبسلت في الدفاع عن مملكتك التي بنيتها عبر السنين الطويلة بعرقك ومعاناتك. ألم تحرثي في الأربعينات من القرن الماضي قطعة أرضك الصغيرة بفأس ووفرت على مدى العشرين سنة البذور الضرورية للحرث ؟ ألم تقطعي المسافة الفاصلة بين وادي بوصالح ومدينة الكاف حيث يسجن الوالد ظلما (80 كلم) سيرا على الأقدام وأنت تحملين فوق ظهرك المؤونة وابنتك الصغرى رحمة الله عليها ؟ فكيف تسمحين لغيرك منازعتك "مملكتك الخاصة" ؟. وأخيرا، ثمّ لك ما أردت وتبخرت أحلام رفيق دربك ولم يهنأ العيش للضرة وتركت الجمل بما حمل.
وإنصافا للحقيقة مرة ثالثة لقد كنت بارعة غاية البراعة. ففي الوقت الذي كنت تحرضين على عودة ضرتك كلما غضبت ورجعت إلى أهلها، كنت تجتهدين بأسلوبك الخاص كي لا يقرّ لها قرار في "مملكتك الخاصة".
لست أدري ماذا كنت ستفعلين لو تيسّر لك حظ وافر من التعليم. وكم كان موقفك لافتا وأنت تفصحين عن الجرح الغائر في صدرك، فمنذ ثلاثين عاما وأنت تخاطبين رفيقة دربي :"خْذيتي منّي ولدي"، لقد رافقتك روحك "القتالية" إلى آخر يوم في حياتك. كانت المعادلة في ذهنك في غاية البساطة : البيت بيتك، ابنك وزوجته خادمة له ولمن حلّ به من أهله.
أمّاه اعذريني، بعد طول انتظار تحقق الحلم وتم التخرج. لم يكن رجل الغد المشرق طبيبا أو معلما أو محاميا مما تعرفين من الألقاب بل كان موظفا ساميا أو بالأحرى "إطارا عاليا" في "دولة الحداثة". كان المطلوب منه أن يكون "عجلة" تسير بها وعليها "دولة الحداثة" لتحقيق أهداف مرسومة سلفا. فالمقود بيد الكبار وما على "الإطار العالي" إلاّ أن يسير في الاتجاه المطلوب. لم يدرك مبكرا أنّ رغبته في أن يكون مواطنا صالحا له رأي في الشأن العام يتناقض جوهريا مع المهمّة التي أسندت إليه بعد كل هذه السنوات من الدراسة. لم يدرك مبكرا أن ما تعلّمه من الإسلام "أنّ الناس سواسية كأسنان المشط" وأن لا فرق بين غني وفقير ولا بين أبيض وأسود و"أنّ الناس شركاء في ثلاث ، الماء والكلأ والنار" وأنّ الناس متساوون في الحقوق والواجبات، لم يدرك مبكرا أنّ هذا لا ينسجم مع المهمة الجديدة التي تقتضي قول "سمعنا وأطعنا"، لم يدرك مبكرا أنّ ما يحمله من أفكار وقناعات لا يتفق مع منطق "دولة الحداثة" :"ما أريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيل الرشاد".
وكان لا بد لهذا التناقض أن يؤول إلى نهايته المحتومة، اعتقال فمحاكمة فسجن. المدة ليست "طويلة" عشرة سنوات فقط، حكم "عادل" يناسب حجم الجريمة:"ترويج أخبار زائفة، الإساءة لرئيس الدولة والانتماء إلى جمعية غير مرخص فيها[*]". وكانت هذه دفعة على الحساب ثم تتالت بعدها المحاكمات وتتالت المحن.
أمّاه اعذريني، لقد خيّبت آمالك وحطمت أحلامك، كان ذلك فوق طاقتي. لقد تغيّر سلّم أولوياتي منذ شرفني الله بحمل راية الدعوة إليه واتخذت الإسلام منهج حياة. فتضاءل حجم "مملكتك الخاصة" أمام مهمة النهوض بالأمة. كانت أحلامي وأحلام مئات الآلاف من شباب الصحوة المباركة أكبر من أن يسمح "الكبار من وراء البحار" بأن تعرف طريقها إلى عالم الحقيقة. صحيح أنّ طموحي كان خلال السنوات الأخيرة من المرحلة الثانوية أن أنهض "بمملكتك الخاصة" وأرد لك ولوالدي رحمة الله عليه القليل ممّا أسديتما لي. ولكن مع دخولي الجامعة وتشرّبي للفكر الإخواني مضيت لا ألوي على شيء ولسان حالي يقول مع مجدد القرن الماضي الشهيد حسن البنا طيّب الله ثراه :"ماذا لو عاشت أمة وضاعت أسرة".
اعذريني، قد يكون ذلك فهم في غير سياقه ولكن كان حالي وحال الكثير الكثير من إخواني وممن تربّوا على أيدينا.
أماه اعذريني، لقد سيطرت هموم أمتي على النفس ونسيتك ونسيت معاناتك. تفتحت عيناي على مأساة المسلمين الأولى، مأساة فلسطين. حلمت مع أبناء جيلي وأنا أتابع عبر أمواج الراديو البطولات التي يحققها الجيش المصري والجيش السوري وكذلك الجيش الأردني. حلمنا بتحقيق النصر الذي انتظرناه طويلا. فالجيوش العربية تتقدم حسب إعلامنا العربي الرسمي نحو القدس. وأفقت على هول الصدمة لقد حقق الصهاينة في خمسة أيام اختراقا رهيبا باستيلائهم على القدس الشرقية والضفة الغربية والقطاع والجولان وفتح اجتياحهم الباب واسعا أمام هجرة مئات الآلاف من الفلسطينيين.
رافقني الهم الفلسطيني إلى مدينة نيويورك عاصمة "القرار الدولي" المسؤول الأول عن المأساة الفلسطينية. وجدت ذات يوم جمعة شيخا فلسطينيا جاوز السبعين ظننته تائها فسألته بغية مساعدته فبادرني بالقول "أضاعوها يا ابني" قلت "من ؟" قال "فلسطين". واسيته ومضيت وفي القلب حسرة. وتعرفت أثناء إقامتي القصيرة تلك على ناشط فلسطيني اسمه أحمد لعله من "فتح". رافقته في تحركاته من أجل القضية. سلمني لما فارقته عائدا إلى تونس كتابا دراسيا باللغة الأنقليزية. بعد فترة من العودة تصفحت الكتاب فوجدت مكتوبا في صدارته "أخي صالح إياك أن تنسى فلسطين".
تابعت حصار بيروت سنة 82 وعايشت مجزرة صبرا وشاتيلا من وراء قضبان سجن برج الرومي ولا يزال الهم الفلسطيني يكبر ويكبر والجرح يزداد عمقا مع الأيام رغم بصيص الأمل القادم من جبل عامل الشم وغزة العزة.
أمّاه اعذريني، قبل أن تغادرينا بنصف ساعة كنت أتابع على شاشة قناة الجزيرة الغراء شريطا وثائقيا بعنوان "الاحتلال.. الاحتلال"، دخل عليّ ابني الأكبر معاتبا "جدتي قد تموت الليلة وأنت تتفرج على الجزيرة". لم أحمل قوله محمل الجد لأنّ الطبيب كان عندك منذ ربع ساعة. ومع ذلك قمت للاطمئنان عليك.
كان الهم الفلسطيني حاضرا بقوة، صحيح أنّي لم أكن أتوقع أنك ستغادرين بتلك السرعة الفائقة، وصدق الله العظيم "وَنَحْن أقْرَبُ إلَيْه منْ حبْل الوريد".
اعذريني أماه، النفوس الكبيرة وحدها قادرة على تحقيق التوازن وتستطيع أن تجمع بين الهم الكبير وغيره من الهموم دون عناء.
أماه اعذريني، لم تشفع خدماتك الجليلة للوطن من الوقوف إلى جانب المجاهدين أثناء حرب التحرير وتوفير الغذاء لشريحة واسعة من أبنائه وعمارة الأرض التي من أجلها سالت دماء الدغباجي والهادي شاكر وفرحات حشاد وغيرهم ممن لا نعرفهم ولكن الله يعرفهم، لم تشفع لك كل تلك الخدمات وحرمت من أبسط الحقوق ولم تشملك ولا رفيق دربك المنحة المخصصة لكبار السنّ. كانت جريرتكما أنّ ابنكما "مواطن غير صالح" وأنّكما احتضنتما شباب الدعوة المباركة. وكان بيتكما قبلة لشباب الصحوة الإسلامية.
أمّاه اعذريني، إنّ الحقول التي عمّرتيها وعضضت عليها بأسنانك طوال عمرك المديد أقفرت الآن وأتى عليها الانجراف واستبدلت قمحها وشعيرها بُكّا وشوكا ونباتات طفيلية، لقد خلت منها السواعد السمراء التي كانت تحرثها وتوقفت عنها منذ عقود قوافل "بني زيد والهمامة" التي كانت تساعد على حصد "الصابة" وتنهل من خيراتها. ولكن اطمئنّي أما لن يتركنا "العم سام" نجوع وسيرسل إلينا الفرينة من وراء البحار تعويضا عن وقوفه في وجه أحلامنا وطموحاتنا.
ولكن مهلا أماه ليس على شكل الأكياس البيضاء التي تعرفينها أثناء الثورة الجزائرية والتي كتب عليها "هدية من الولايات المتحدة الأمريكية" بل سنشتريها منه وبالثمن الذي يحدده بالعملة الصعبة التي لن نعجز في توفيرها عبر "تدبير الراسْ" وتشجيع السياحة الجنسية التي نعدّ لها بناتنا منذ نعومة أظفارهنّ. لا تقلقي أمّاه لقد تركت وراءك جيلا خبر العولمة جيدا فلا يهمّه إلاّ "الدولاب يدور" بإلقاء شبابه في البحر بعرض كل شيء، كل شيء للبيع. المهم أنّ " الدولاب يدور" وأنّ عجلة الاقتصاد تتحرك للأمام للخلف، لايهمّ.
أمّاه أعذريني، إن دفنتك بعيدا عن الأرض التي ألفتيها وألفتك، بعيدة عن مثوى رفيق دربك وغاب عن تشييعك الكثير من معارفك. ولكن اطمئنّي أمّاه لقد رافقك إلى مثواك الأخير الكثير من أبناء الصحوة الإسلامية المباركة ممن تعرفين وممن لا تعرفين. ورافقك أيضا آخرون تعرفينهم، إنّهم "زوّار الفجر" القدامى. لا أظنّهم جاؤوا شامتين. فالموت باب وكل الناس داخله. وهم يدركون حتما أنّهم سيذوقون يوما من الكأس التي شربت منه. وما أظنهم جاؤوا لأداء واجب العزاء، فابنك ليس أصيل جهة يقرأ لها حساب، ولا سليل أسرة عريقة في المجد ولا ممن أسدى خدمات جليلة للوطن حتى يستحق التفاتة من "الكبار". المهمّ لقد جاؤوا وكانوا آخر من غادر. وصدق رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه :"إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
أمّاه اعذريني، إن أطلت فما يعتمل في الصدر لا تتسع له مجلدات، إنّها مأساة جيل بأكمله، واعذريني إن قلت لك إنّ ما نالك منها يعتبر هيّنا أمام ما نال عشرات الآلاف من أمّهاتنا الصابرات المحتسبات، أذكر منهنّ على سبيل المثال أم السجين المجاهد رضا البوكادي فكّ الله أسره وأسر إخوانه قريبا، وأمّ أخينا الشيخ لطفي السنوسي وأم الأخوين محمد ومراد الخديمي شفاه الله، رحمة الله عليهنّ جميعا.
أمّاه إلى أن يجمعنا الله في يوم تنصب فيه محكمة العدل الإلهية أسأل الله العلي القدير أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يحسن رفادك وأن لا يحرمنا أجرك ولا يفتنّا بعدك. وإنّي إن شاء الله على العهد ما حييت.
ابنك صالح بن عبد الله
[*] كان ذلك في صائفة 1981 حين تم محاكمة ما يزيد عن مائة قيادي وكادر في حركة الاتجاه الإسلامي على إثر ندوة صحفية عقدها مكتبها السياسي برئاسة الشيخ راشد الغنو