Overblog Tous les blogs Top blogs Économie, Finance & Droit Tous les blogs Économie, Finance & Droit
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

Tunisie-jeune tunisien-étudiant et étudiante-jeunesse tunisienne-politique-démocratie-liberté-égualité-fraternité-prisonier politique-droit d'expression

Publicité

محمد الشرفي: المثقف السياسي وريادة النخبة


 
 
احميدة النيفر (*)

ما يحملني على الكتابة في شخصية محمد الشرفي الذي غادرنا إلى واسع رحمة الله وجميل عفوه هو أنّه عَلَم من أعلام النخبة التونسية المعاصرة المثيرين للإعجاب والتساؤل في آن.

القارئ العربي يعرف الراحل محمد الشرفي من زاوية النضال السياسي الحقوقي الذي شارك فيه شابّا في المعارضة اليسارية التونسية، ثم أستاذا متميّزا في القانون بالجامعة ومنافحا عن حقوق الإنسان والحريات العامة، ثم عنصرا فاعلا في صياغة الميثاق الوطني ووزيرا للتربية مراجعا لسياسة التعليم في تونس ما بعد الاستقلال. هذا إلى جانب مواقفه الفكرية التي أعلن عنها في كتاباته ومحاضراته وعبر نشاطه الجمعياتي.

للكتابة عن هذه الحياة الحافلة بالحركة وجديّة الالتزام بقضايا العصر والوطن لا يمكن الاقتصار على مقطع محدد واحد من مقاطع سيرة الرجل. مثل هذه التجزئة التعسفية لا تتيح استخراج حكم موضوعي وتقديري، كما لا تساعد على تقويم حركة جيل من النخبة التونسية التي واكبت بناء الدولة القطرية الحديثة في هذا الفضاء المغاربي. لهذا فإنني أعتبر أن كل نظر اختزالي لحياة محمد الشرفي غير مجدٍ، لأنه إمّا ناتج عن معرفة ناقصة بسيرته، أو أنّه قصور في رؤية الواقع السياسي والثقافي وما استدعاه ذلك الواقع المتشابك من خيارات في المستويين المحلّي والعربي.

ما ينبغي أن نبرزه أوّلا هو السياق التاريخي الاجتماعي. فما كان لرجل وُلد في فترة ما بين الحربين في المنطقة المغاربية ومن أسرة مدينية متديّنة أن يتجنّب الخوض والالتزام بقضايا الفكر والسياسة والثقافة الدينية والإصلاح المؤسساتي. في هذا كان محمد الشرفي ضمن كوكبة من مشاهير التونسيين المعاصرين الذين تجاوز أثرهم مجال عملهم وإطار تخصصهم العلمي وحدود البلد الذي نشؤوا فيه. هو في هذا لا يختلف جوهريا عن محمد الطالبي، وهشام جعيط، وعبدالوهاب بوحديبة، وعياض بن عاشور، وعبدالمجيد الشرفي، وأبويعرب المرزوقي. كان مع هؤلاء، رغم أنّ لكلّ منهم خصوصية رؤيته وتميّز مشربه، شاهدا على ما يمكن تسميته بـ «التماسك الثقافي» في تونس خاصة وفي البلاد العربية والإسلامية عامّة. إنّه التماسك الذي تلمسه واضحا في الوطن العربي من خلال ثقة النخب العربية في قدرتها على بناء مستقبل أفضل، ومواصلة العمل من أجل تحقيق مشروع للنهضة يبدو كسرابٍ بقيعة. عند التأمل في وضع النخب العربيّة بتنوّعها وتناقضها وأزماتها المتوالية، لا يمكن إلاّ أن تشدّك قدرتها على الاستمرار والعطاء، بما يدفع إلى السؤال المحيّر: مما تتولّد كل هذه الحيوية، وما هو مصدر بقائها؟

مَن عايش رجلا كـ «محمد الشرفي» يدرك أنّ هناك «مناعة ثقافية» قويّة كان يصدر عنها في مواجهة محبّطات جديّة عديدة محلّية ودولية، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي اجتماعي وبعضها الآخر حضاري مؤسساتي. في هذا المستوى لا بد أن نتذّكر أن نخبا أخرى في بقاع أخرى من العالم لم تجد حلاّ لمواجهة الإحباط الحضاري والثقافي الذي انتهت إليه إلاّ بالانتحار الحقيقي، هذا ما حصل فعلا لبعض النخب اليابانية المشهورة. في الوطن العربي لم يحصل ما يشبه ذلك، وكأن النخب الفاعلة عندنا تتمثّل مقولة: «تجوع الحرّة..». فلا تكاد تقرّ بالهزيمة، ولا تعلن عن إلقاء السلاح رغم تصريحها المعلن أو الخفيّ بفشلها.

لذلك فإنّ حياة محمد الشرفي منظور إليها من هذه الزاوية ليست إلاّ تأكيدا على مكانة النخب المثقفة في واقعنا المحلّي والعربي، وأن أي تفكير في مستقبلنا لا بد أن يدخل في اعتباره أن جلّ البلاد العربية هي «مجتمعات نخب»، وأن المؤسسات والمنظّمات والجمهور الواسع تظل جميعها رهينة تطوّر تلك النخب وحريتها وتدافعها. من ثم، يمكن أن يتنفّس صبح المستقبل العربي، أما ما يسرع إليه البعض من آليات الإدانة والتكفير والتخوين والتجريم فهو لا يعدو أن يكون مجرد تشفٍ ساذج متلهّفٍ على تصفية حسابات ضيقة لا تجدي بل تدمّر جهاز مناعتنا المجتمعي.

لكن لمحمد الشرفي بُعدا ثانيا لا يقلّ أهميّة عن البعد السابق، هو بعد «المثقف السياسي» الذي عبّر عنه في كافة أطوار حياته. فعل ذلك خاصة عندما تولّى وزارة التعليم نهايةَ الثمانينيات في مرحلة حرجة من تاريخ تونس المعاصر. عند ذاك اندفعت أقلام لتصب جامّ غضبها عليه، من ذلك ما كتبه أحد خصومه في مقال شهير «لا أريدك وزيرا»، إضافة إلى بيان إدانة أشدّ لهجة وقّعه خصومه من إسلاميي حركة النهضة مطالبين الرئيس بإقالته.

ليس هنا مجال للحديث المفصّل عن المشروع الإصلاحي التربوي الذي قاده محمد الشرفي، والذي قمتُ فيه بإدارة مراجعة مناهج الدراسات الإسلامية ومقرراتها مع ثلّة من الأساتذة والباحثين التونسيين. لكن ما أراه جديرا بالذكر في هذا الصدد أنّني لم أتلقَ مرّة واحدة من الوزير ما يمكن أن يتضمن تعليمات ذات خصوصية أيديولوجية معادية للإسلام عقيدة وسلوكا وحضارة. ما تَمّ إنجازه من كتب وبرامج في تلك الفترة يبقى شاهدا حيّا على ذلك بما فيه من حرص على صفاء المعتقد وسلامة الخلق وثراء الفكر وتنوّع التراث الفقهي والفلسفي للمسلمين. أكثر من ذلك، كان لدى الوزير محمد الشرفي تأكيد على إشراك أهمّ الأطراف السياسية والمجتمعية، فضلا عن عموم الأساتذة، في استشارات واسعة ولقاءات عديدة ضمن ما كان يعرف وقتها باللجان القطاعية لكل اختصاص لإبداء الرأي والاقتراح فيما كنّا نعمل على إنجازه. كانت قمّة هذا السعي الانفتاحي بدعوة أحزاب سياسية معارضة ومنظمة حقوق الإنسان وممثلي نقابات التعليم، بل إن هذا التمشّي بلغ حدّ قبول مشاركة أحد رموز حركة النهضة الإسلامية في هذا العمل الإصلاحي رغم مواقف الإدانة والمطالبة بإقالة الوزير.

في هذا خاصة وفي غيره من المواقف كان محمد الشرفي أنموذجا للمثقف السياسي الذي يعز طلبه في بلادنا العربية، خلافا لما هو متعارف في المجتمعات الغربية.

المثقف السياسي هو الذي يعتبر أن احتداد الصراع الأيديولوجي، وقيام نقاش حول الخيارات الكبرى المتصلة بقضايا الدولة والمجتمع، أساس حيوية المجتمع ومحرك للنخب الحاكمة والمعارضة ومُثرٍ لها. المثقف السياسي هو نقيض التكنوقراطي الذي لا يملك رؤية تركيبية ناظمة، لذلك لا يدرك معنى الحوار ولا يراهن عليه. إنه يرفض اعتماد مرجعية فكرية أو عقدية أو إيمانية، معتبرا أن تخصصه الكبير في مجال ما كالمال أو الاقتصاد أو الزراعة أو العلوم التطبيقية كفيل بضبط التوجّهات ونحت الآفاق. أمّا المثقف السياسي فهو لا يتستر على أيديولوجيته، ولا يخفي منهجيته، إنّما يعتبرهما عنصر تثاقف وتنافذ من أجل إثراء المشاركة في العطاء المجتمعي.

بهذا فالمثقف السياسي وطني لا يؤجل الاختلافات الكبرى ولا يتجاهلها، بل يعتبرها عناصر ضرورية للبناء والتنمية. إنّه يردد قول الشاعر التونسي المعاصر: « أُحِبُّ البلاد كما لا يحب البلاد أحد» واعيا بأن ولعا حقيقيا بالوطن يعني اعتناق تعددية الرؤى فيه، وإعراضا عن كل استبداد أو إقصاء.
لهذا ولغيره، كان الراحل الطيب الذكر رائدا لنخبة بلده بكامل طيفها، لأنه كان يرى في تعدد مكونات النخبة وضرورة حوارها مصدر مصداقيتها ومشروعيتها بما يتيح لمستقبل مجتمعها فاعلية وحضورا بين الشعوب والأمم.

(*) كاتب تونسي

(المصدر: صحيفة 'العرب' (يومية – قطر) الصادرة يوم 20 جوان 2008)
Publicité
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article