Tunisie-jeune tunisien-étudiant et étudiante-jeunesse tunisienne-politique-démocratie-liberté-égualité-fraternité-prisonier politique-droit d'expression
الزعيم الطلابي السابق والسجين السياسي المسرح
المهندس عبد الكريم الهاروني في ضيافة الحوار.نت.
( الجزء الأول من الحوار ).
حاوره : الهادي بريك ـ الحوار.نت ـ ألمانيا.
علم على رأسه نار وفارس لا يشق له غبار :
ـ ذاك هو القيادي الإسلامي التونسي المهندس عبد الكريم الهاروني.
ـ من مواليد : 17 ديسمبر ( كانون الأول ) 1960 بالمرسى بتونس العاصمة.
ـ مهندس أول متخرج من المدرسة القومية للمهندسين بتونس قبل أكثر من عقدين كاملين.
ـ حالت الملاحقات الأمنية المنظمة ضده منذ أزيد من ربع قرن كامل دون مواصلة تعليمه الجامعي الذي سبق له أن سجل في أول حلقاته في الجامعة التونسية كما حيل دونه بذلك ودون زواجه.
ـ إعتقل عام 1981 وأفرج عنه بعد أيام قلائل ثم عام 1987 حيث حوكم ضمن قيادة حركة الإتجاه الإسلامي أمام محكمة أمن الدولة ( محكمة غير دستورية ) ثم عام 1991 ليمثل مجددا أمام المحكمة العسكرية ( محكمة غير دستورية ) ضمن قيادة حركة النهضة عام 1992.
ـ وبذلك يكون قد قضى زهرة شبابه في السجن وراء القضبان تأديبا له على جريمة الإنتماء لجمعية غير مرخص فيها والإشتغال بالسياسة بدون إذن مسبق من الحاكم الأعلى في البلاد.
ـ عرفته الساحة الطلابية مناضلا عتيدا وفارسا مفوها وزعيما جماهيريا محبوبا وكان له مع بعض إخوانه شرف تأسيس الإتحاد العام التونسي للطلبة في أواسط ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم وإنتخب في أول مؤتمر له أمينا عاما.
ـ أفرج عنه بمقتضى عفو رئاسي خاص رفقة عدد من السجناء السياسيين ( بالكاد يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة ) بمناسبة مرور عشرين عاما على إنقلاب بن علي ضد بورقيبه في يوم السابع من نوفمبر ( تشرين الثاني ) من عام 1987 بينما بقي أزيد من عشرين سجينا سياسيا كلهم من حركة النهضة التونسية يقبعون وراء القضبان محتجزين منذ خريف 1991.
نص الحوار :
الحوار.نت : مهندس كريم ـ فريق الحوار.نت يجدد لك التهنئة بمناسبة خروجك من السجن.
المهندس الهاروني : شكرا لكم على التهنئة. وأرد التحية بأحسن منها إن شاء الله وأحييكم على نضالكم من أجل إطلاق سراح المساجين ومن أجل مستقبل أفضل لبلادنا وشعبنا وأكبر نجاحكم.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ كيف تصف لنا شعورك وأنت تغادر السجن بعد سبعة عشر عاما.
المهندس الهاروني : ليس من السهل وصف هذا الشعور لأن للغة حدودها. وإذا حاولت أن أصور هذا الشعورفأقول أن فيه قليل من الفرح وكثير من المرارة.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ ما هي أسباب هذه المرارة؟
المهندس الهاروني : المرارة هي طول فترة السجن وما صاحبه من إنتهاكات لحقوق الإنسان ومن أضرار لا تقدر ولا تعوض.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ كيف تقرأ عملية الإفراج عنكم في هذه المناسبة بالذات.
المهندس الهاروني : لا شك أن أكثر الناس كانوا ينتظرون على الأقل إطلاق سراح كل المساجين في قضية حركة النهضة ولكن حصلت خيبة أمل كبيرة وللأسف لم تكف خمسون سنة من المحاكمات السياسية لتتفرغ البلاد لمعالجة قضاياها الحقيقية بوسائل متحضرة.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ على أي أساس وقع إطلاق سراحك أنت مثلا ومواصلة إحتجاز الدكتور شورو مثلا؟ هل يمكن للمواطن أن يفهم فلسفة هذه السياسية الإنتقائية؟
المهندس الهاروني : يصعب الإجابة على هذا السؤال لاني لا أفكر بعقل السلطلة.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ كيف وجدت بلادك تونس بعد غياب دام 17 عاما كاملة في السجن؟
المهندس الهاروني : لازلت في البيت بين أهلي وسعيد بضيوفي الذين جاؤوا من كل الجهات والفئات والأطراف لتهنئتي وتهنئة عائلتي وأنا أحتاج لشيء من الوقت لدراسة الواقع الجديد بعيدا عن الظلم لنفسي أو للآخرين.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ نقل إلينا أن المهنئين يكرون على بيتك أفواجا في إثر أفواج. هل كنت تنتظر ذلك بعد الحصار الرهيب في سنوات الجمر الحامية؟
المهندس الهاروني : مستبشر خيرا بأن الحصار الأمني المضروب على البلاد منذ إنطلاق حملة إستئصال حركة النهضة لم يمنع الناس من مختلف الأعمار للقدوم بحماس لتهنئتي والتعبير عن فرح صادق وأمل كبير في المستقبل بعد خروجي وخروج إخواني رغم حالة الإحباط أمام واقع البلاد.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ هناك سؤال محير : ما هو السر في بقاء مساجين سياسيين في تونس عقدين كاملين تقريبا برغم شهادة المحيط العربي والإسلامي والدولي لهم في الجملة بالإعتدال والتوسط نهجا في التفكير وفي التغيير. مبعث الحيرة هو أنه أمر ليس من تقاليد تونس ولا من تقاليد أكثر البلدان العربية والإسلامية.
المهندس الهاروني : فعلا هو أمر محير لأولي العقول السليمة ولكن يمكن محاولة تفسيره بأنه دليل على ضعف الطالب والمطلوب.لو كانت لنا سلطة قوية واثقة من نفسها ومعارضة فاعلة في مستوى طموحات شعبها لأمكن تلافي هذه الحالة.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ لو تقطف لنا درسا أو درسين من فترة سجن مطولة أو من مدرسة يوسف عليه السلام كما يقال.
المهندس الهاروني : لازلت أدرس هذه التجربة والعبر الكثيرة التي علينا أن نخرج بها منها ومن أهمها فشل الحل الأمني في معالجة القضايا السياسية. فقد تعرضت حركة النهضة والإسلاميون عامة إلى ثلاث محاولات إستئصال على مدى ربع قرن أي منذ 1981 وكانت النتيجة دوما واحدة : فشل الحل الأمني وضرورة الحل السياسي. والدرس الثاني هو أن الحركة أصابت عندما إعتبرت منذ عشرين عاما أن الأولوية في بلادنا هي للحريات وبدون الحريات لا يمكن لبلادنا أن تبلغ أعلى الدرجات.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ على غرار عبر مرحلة السجن التي إقتطفت لها منها عبرتين هل يمكن لك إلتقاط مشهد أو أكثر شدك إليه شدا عجيبا فلن يزال في الذاكرة مغروزا مركوزا لا ينقضي منه العجب.
المهندس الهاروني : من المشاهد التي لا يمكن لي ولا للمساجين ولا للشعب التونسي ولا للأمة الإسلامية ولا للأنسانية أن تنساها هي :
مشهد أول : ما حصل يوم الإربعاء 31 ماي 1995 يوم كنت أقيم بالعزلة الإنفرداية بسجن المنستير. يومها وقع تفتيش غرفتي بأسلوب إستفزازي وإفتكاك المصحف الشريف من بين يدي في فترة وقع فيها منع دخول المصاحف إلى السجون وجمع المصاحف من المساجين وأصبح حفظ القرآن وقراءته في السجن جريمة يعاقب عليها السجين وهذا مشهد لم أسمع به في بلاد عربية أو إسلامية إلى يوم الناس هذا.
مشهد ثان : في بعض فصول المحاكمة الملفقة ضدنا عام 1992 رفضت الإمضاء على المحاضر المزورة من لدن أبحاث وزارة الداخلية وكثير منها منتزع تحت التعذيب والإكراه وإشترطت حضور المحامي لذلك. ثم تحولت المحاكمة بإذنه سبحانه وبصمود المعتقلين وإصرارهم على براءتهم مما نسب إليهم زورا وبهتانا إلى محاكمة للإستبداد وذلك من خلال ما عرف يومها بإجتماع براكة الساحل المزعوم حيث بين المعتقلون والمحامون لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ولكل منصف عاقل بأن القصة من خيال السلطة نسجتها للفتك بخصم سياسي وإنقلب السحر على الساحر مرة أخرى ولله الحمد والمنة.
مشهد ثالث : ربما كنت أول سجين إسلامي يتمكن بإذنه سبحانه من شهود جنازة والدته والصلاة عليها إماما والدعاء لها فيما عرف بالتأبين ومساعدة الوالد الكريم حفظه الله سبحانه على وضعها في قبرها وذلك بحضور عدد غير يسير من الأهل والأقارب والجيران والجلادين.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ سمعنا أنك أتممت حفظ القرآن الكريم في السجن وبهذه المناسبة فإن فريق الحوار.نت يهنئك سائلا المولى الكريم سبحانه ولي النعمة الأكبر أن يجعل منك خادما أمينا قويا لكتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ولأمة المسلمين. لكن الأمر غير المفهوم مهندس كريم هو أنه في الوقت الذي يؤكد فيه كل من خرج من السجن حديثك السابق عن إنتهاك حقكم في المصحف الشريف ( أنظر حوارا خاصا في هذا الموضوع أجرته الحوار.نت قبل أشهر مع السجين السياسي السابق فخر الدين شليق ) .. فإن كل المساجين تقريبا توصلوا إلى حفظ القرآن الكريم. كيف تفسر ذلك.
المهندس الهاروني : دخلت السجن حافظا لنصيب طيب من كتاب الله وتمكنت بتوفيق منه سبحانه في ليلة السابع والعشرين من رمضان 1413 الموافق لليلة 20 مارس 1993 من إتمام الحفظ فالحمد لله الذي لم يسلطهم علي لإفتكاك مصحفي من بين يدي إلا بعد أن أصبح القرآن في صدري . ومن جهة أخرى فقد إنقلب السحر على الساحر إذ كان حرص إدارة السجن ومن وراءها على منع القرآن سببا من الأسباب لتقوية عزيمة المساجين لمزيد الإقبال على الحفظ ولا يحيق المكر إلا بأهله. كما لا يفوتني أن ألفت الإنتباه إلى أني بقيت أناضل طيلة عشر سنوات للحصول على حقي في جلب تفسير القرآن الكريم للمرحوم العلامة التونسي إبن عاشور ( التحرير والتنوير ) لأني كنت حريصا على الجمع بين حسن الحفظ وحسن الفهم لأنهما شرطان لحسن العمل.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ كم أمضيت في الحبس الإنفرادي وما هي الأسباب؟
المهندس الهاروني : منذ المحاكمة العسكرية في 92 تعرضت للحبس الإنفرادي لثلاث فترات أساسية:
ـ من ماي 94 إلى جويلة 95 بالمنستير.
ـ من ماي 96 حتى نوفمبر 96 بسجن المسعدين بسوسة.
ـ من أفريل 03 حتى أفريل 05 بسجن صفاقس.
وكان الهدف واحدا : تدمير الإرادة المعنوية والعزل عن التعامل مع بقية المساجين والحرمان من أبسط الحقوق ولكن والحمد لله تمكنت إلى جانب إخواني الذين إبتلوا بهذا الإجراء المخالف للقانون وللمعاملة الإنسانية من تحقيق إنتصار يتمثل في إتخاذ السلطة لقرار بإلغاء العزلة الفردية يوم 20 أبريل 05 في إثر حملة وجدنا فيها دعما قويا من عائلاتنا ومن المنظمات الحقوقية والإنسانية وداخل البلاد وخارجها. وبهذه المناسبة أحيي الجميع على موقفهم المشر ف هذا.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ ما هو تعليقك على تمكينك من حضور جنازة والدتك عليها رحمة الله سبحانه؟
المهندس الهاروني : من الناحية القانونية فإنه من حق كل سجين أصيب أحد أقاربه بمرض شديد أو وفاة أن يمكن من زيارة أهله ولكن الواقع مخالف لذلك تماما. فقد حرم الكثير من إخواني المساجين من حضور جنازة ذويهم وأذكر من ذلك : حمادي الجبالي ولمين الزيدي ورضا بوكادي وقيس بن سعيد وعدد آخر كبير لا يتسع المجال الآن لذكرهم واحدا واحدا.وتعبتر الموافقة على تمكيني من هذا الحق مبادرة إيجابية أقدرها حق قدرها سيما أنها فتحت الباب لتمكين بعض الإخوة من حضور جنازات ذويهم وأذكر منهم : عبد الحميد الجلاصي ونور الذين قندور. رحم الله الجميع رحمة واسعة وأخلف الله الذين لم يتمكنوا من ذلك خيرا في الدنيا والآخرة.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ ما هو رأيك في عشرينية السابع من نوفمبر التي خرجت من السجن بمناسبتها؟
المهندس الهاروني : الإحتفال بالمناسبات الرسمية لم يرتق في بلادنا إلى كونه حالة شعبية أو إحتفالا شعبيا حقيقيا. فقد لمست من خلال الزائرين زيارة مباشرة أو إتصالا بالهاتف من داخل البلاد وخارجها إستياء وحيرة شديدين.
الحوار.نت : ما هي أسباب الإستياء التي يتحدث عنها المتصلون بك وزوارك يا مهندس كريم؟
المهندس الهاروني : من كان يعلق أملا على السلطة أصيب بخيبة أمل ومن لم يكن يعلق أملا إزداد خيبة على خيبة وأصبح الجميع يشعرون بإزدياد الغموض في تصور مستقبل البلاد.
الحوار.نت : مهندس كريم ـ قارب النجاة الذي تتخذه السلطة منذ سنوات طويلة مطية لتسويق نجاح أو للتعمية عن فشل هي أن السلطة حققت نجاحا إقتصاديا ملحوظا تمثل في إرتفاع نسبة النمو الإقتصادي في البلاد في محيط عربي ودولي ينذر بالشح والقحط. كيف ترى الأمر؟
المهندس الهاروني : الوضع الإقتصادي في بلادنا وفي بلاد العرب لا يرتقي إلى مستوى الثروات البشرية والطبيعية التي تزخر بها منطقتنا وإذا كانت السلطة تؤكد أنها نجحت في مجال الإقتصاد فلماذا تبحث عن شهادات من الداخل والخارج في الإعتراف بالنجاح وفي كل الحالات سأحرص على دراسة الوضع وإذا كانت هناك إيجابيات فلن أنكرها وإذا تبينت سلبيات فلن أغض الطرف عنها كما تفعل السلطة ومن والاها ومن ناحية أخرى فإن التجربة في بلادنا أثبتت أنه بعد فشل تجربة التعاضد والإشتراكية على الطريقة التونسية وتجربة الإنقتاح نحو اللبرالية وتحقيق بعض النتائج والأرقام في غياب الإنفتاح السياسي والحريات و الديقمراطية .. إنتهت تجربة السبعينات إلى أزمة شاملة سجلت في ذاكرة شعبنا المواجهة مع إتحاد الشغل في 1978 وحادثة قفصة في 1980 وتزييف الإنتخابات وحملة الإعتقالاف ضد الإسلاميين في 1981 فكانت أزمة شاملة رغم بعض الأرقام الإقتصادية . أي أن عدم تلازم التجارب الإقتصادية والإجتماعية مع إنفتاح سياسي هو الذي كان سببا في تلك الهجومات ضد مؤسسات المجتمع وفعالياته من مثل إتحاد الشغل والمعارضات. ولكن مرة أخرى تتكرر التجربة ذاتها إذ عادت البلاد إلى أزمتها من خلال ضرب الإتحاد &